110. الإسلام يحتاج إلى تجديد: الجهاد والحاكمية والإسلام السياسي

🌐 اقرأ بالإنجليزية
110. الإسلام يحتاج إلى تجديد: الجهاد والحاكمية والإسلام السياسي

ما جذور الجهاد المسلح والإسلام السياسي؟ تتطلب الإجابة التمييز بين الظروف التي قاتل فيها المسلمون الأوائل وطموحات الإمبراطوريات اللاحقة، وبين الإيمان بحاكمية الله وادعاءات من يسعون إلى الحكم باسمه. فالإسلام في حاجة ملحة إلى تجديد فهمنا لهذه التعاليم وكيفية تطبيقها.

للمسيحية عهد قديم وعهد جديد، أما القرآن فكتاب واحد، يصنف الوحي فيه إلى مكي ومدني، بحسب نزوله، في المجمل، قبل هجرة النبي وبعدها. نحن هنا أمام سياقين تاريخيين للوحي نفسه، وفهم اختلاف ظروفهما ضروري لتفسير ما ورد فيه عن الحرب والسلطة السياسية.

الإيمان سبق الدولة

نزلت الآيات المكية أولا، فركزت على التوحيد والمسؤولية الأخلاقية وعلاقة الإنسان بخالقه. كان المسلمون أقلية مضطهدة، بلا دولة ولا جيش ولا سلطة سياسية. وكانت الدعوة إلى الإيمان بالإقناع، لا بالغزو.

وبعد سنوات من الاضطهاد والظلم والتهجير، أقام المسلمون مجتمعا في المدينة، فأصبحت إدارة شؤونه وعلاقاته بالجماعات الأخرى والدفاع عنه بالسلاح من مسؤولياتهم. تناول الوحي المدني هذه الوقائع العملية إلى جانب التعاليم الروحية والأخلاقية. فالاختلاف يتعلق بالظروف وما تقتضيه من أولويات، ولا يعني أن لدينا قرآنا روحيا وآخر سياسيا.

تأذن الآيتان 39 و40 من سورة الحج بالقتال لمن وقع عليهم الظلم وأخرجوا من ديارهم، وتأمر الآية 190 من سورة البقرة المسلمين بقتال من يقاتلونهم من دون اعتداء. وفي الآية 256 من السورة نفسها يقول الله تعالى:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

وهذا المبدأ وارد في سورة مدنية. فلا يصح أن ننسب الحرية الدينية ببساطة إلى مرحلة مبكرة كان المسلمون فيها بلا قوة، ثم نفترض أن مرحلة القتال اللاحقة ألغتها. أرى أن هذه الآيات يجب أن تقرأ معا، وأن تطبق كل منها حيث تتحقق الظروف التي تخاطبها.

لا ينبغي استخدام آية قرآنية لمحو أخرى لمجرد أنها نزلت بعدها.

لا يزال العلماء يناقشون نطاق النسخ وكيفية تطبيقه، على الرغم من تاريخه الطويل في الدرس الشرعي. واعتراضي هو على اعتبار آيات القتال المتأخرة إلغاء دائما لمبادئ الحرية الدينية، لأن ترتيب النزول وحده لا يفسر كيف يتحول أمر يخاطب ظروفا بعينها إلى تكليف مطلق.

الإمبراطوريات صاغت التأويل

مع توسع الإمبراطوريات الإسلامية، طور الفقهاء تصورات أوسع للجهاد المسلح، ولم تكن مواقفهم واحدة. فمنهم من برر الحرب بإزالة العوائق أمام الدعوة، ومنهم من أجاز التوسع خارج حدود الدفاع المباشر عن النفس. وقد تبلور هذا الاجتهاد في عالم تتنافس فيه الإمبراطوريات، وتشكل فيه السلطة السياسية والسيطرة على الأرض طبيعة الأسئلة المطروحة على الفقهاء.

قد يرفض تصور فقهي إجبار الأفراد على اعتناق الإسلام، ويجيز في الوقت نفسه غزو بلادهم، فالغزو والإكراه على الدخول في الدين مسألتان مختلفتان. لذلك لا يكفي رفض الإكراه وحده لحسم مسألة الحرب التوسعية، بل يجب أيضا التمييز بين مبادئ الإسلام الثابتة والطموحات السياسية والظروف التاريخية للإمبراطوريات الإسلامية.

لقد تغير العالم. انتهى عصر الإمبراطوريات إلى حد بعيد، وأصبحت الحرية الدينية معترفا بها في القانون الدولي، حتى حين تنتهكها الحكومات. كما غيرت الدول الحديثة والمؤسسات الدولية وتقنيات الاتصال سبل ممارسة الأديان والدعوة إليها. وبات الإسلام قادرا على الوصول إلى كل ركن تقريبا من هذا الكوكب من دون جيش غاز.

ومع ذلك، لا تزال بعض التأويلات تتعامل مع التوسع الإقليمي والهيمنة السياسية بوصفهما واجبين دينيين. فحيث تتاح الدعوة السلمية، لا تصلح حجة إزالة العوائق أمام الإيمان لتبرير واجب مزعوم بالغزو. وحيث يستمر الاضطهاد، يكون السؤال كيف نحمي الناس، لا كيف نؤسس حقا دينيا دائما في حكمهم.

وحتى حماية الناس تقتضي حكمة سياسية، تبحث عن سبل سلمية لإنهاء الاضطهاد وحصر القتال في أضيق نطاق ممكن، وتقيس أي استجابة بقدرتها الفعلية على حماية المعرضين للخطر. لكن الإسلام السياسي كثيرا ما يحصر الرد على الاضطهاد في الجهاد المسلح والحرب. وهذا الجمود العقائدي يغفل ما تعلمنا إياه آيات القرآن وقصصه من حكمة، ويحول واجب حماية الناس إلى لجوء تلقائي إلى الحرب.

حاكمية بلا احتكار سياسي

الحاكمية تعني السيادة الإلهية، أي أن المرجعية العليا لله. وفي الآية 40 من سورة يوسف يقول تعالى:

إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ

هذه آية مكية، وردت في سياق الدعوة إلى عبادة الله وحده، ونزلت قبل أن يقيم المسلمون سلطة سياسية في المدينة. ولم يبدأ هذا المبدأ العقدي برنامجا حديثا للاستيلاء على سلطة الدولة.

لكن مفكري الإسلام السياسي في العصر الحديث، ولا سيما أبا الأعلى المودودي وسيد قطب، منحوا الحاكمية موقعا سياسيا مركزيا. فقد طرحوا برامج جعلت الحكم وفق فهمهم للشريعة ركنا أساسيا في النظام الإسلامي. وهنا تحديدا يدخل التأويل البشري، عند الانتقال من مرجعية الله العليا إلى برنامج معين للحكم.

الإيمان بأن المرجعية العليا لله لا يمنح الحاكم السياسي حق فرض تفسيره لإرادة الله على الجميع.

حاكمية الله إلهية، أما تأويل البشر فليس كذلك. ولا يجوز أن يصبح حاكم أو حزب أو رجل دين أو حركة دينية فوق المساءلة لمجرد ادعاء الحكم باسم الله. فالخضوع لله يجب ألا يتحول إلى خضوع لمن يدعون تمثيله.

ابحث عن المقال في X
...
تصفيق