كتبت فرانشيسكا فاتوري ونوي هوشيت-بودين وليزلوت ماس مقالاً في صحيفة لوموند من مدينة بربرة، وكأن مجرد التواجد الجغرافي في المكان كفيل بتحويل الخيال إلى حقيقة. لكن الواقع يختلف تماماً. يزعم المقال المذكور أن بربرة ليست سوى قاعدة عسكرية سرية تخدم مصالح إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة. وأمام هذه الادعاءات الفضفاضة، قد يتساءل المرء: لماذا التوقف هنا؟ كان حرياً بهم إقحام أستراليا واليابان في هذه الحبكة، وربما إضافة كمبوديا لتكتمل فصول الرواية المفتعلة.
وليست هذه السابقة الأولى التي تتبنى فيها وسائل الإعلام الكبرى سرديات واهية حول أرض الصومال. فلقد شهدنا على مدار عام كامل ترويجاً إعلامياً محموماً لشائعة "استضافة أرض الصومال للاجئين الفلسطينيين"، وهي مزاعم فندناها وأثبتنا زيفها في حينها. ورغم ذلك، لم تصدر أي جهة اعتذاراً أو توضيحاً، بل تم الانتقال بكل سلاسة إلى نسج فصل جديد من الخيال، في مشهد يعكس بوضوح خبايا اللعبة الإعلامية المعتادة.
وينزلق المقال نحو تكهنات مبنية على افتراضات واهية، مدعياً أن بربرة "قد تُستخدم كمنصة قريبة من اليمن" دون تقديم أي دليل ملموس يدعم هذا الطرح. وتستند هذه الفرضية برمتها إلى البعد الجغرافي وحالة التوتر القائمة مع الحوثيين. غير أن القرب الجغرافي من بؤر الصراع لا يحول مدينة ساحلية، بين ليلة وضحاها، إلى قاعدة عمليات أمامية. فلو اعتمدنا هذا المنطق الأعوج، لأصبحت كل منشأة ساحلية تطل على ممر البحر الأحمر قاعدة عسكرية سرية، ولشمل ذلك موانئ جيبوتي وعدن ومصوع وجدة. إن محاولة تسويق حقيقة جغرافية بسيطة على أنها كشف استراتيجي خطير، تعكس في طياتها تهاوناً مهنياً في أحسن الأحوال، وتضليلاً متعمداً في أسوأها.
وتعمد هذه التغطية الصحفية إلى تجريد أرض الصومال من أي تطلعات سيادية تتعلق بأمنها القومي أو مصالحها التجارية أو سعيها نحو الاعتراف الدولي. إذ تُصور البلاد على أنها مجرد بيدق طيّع في أيدي أبو ظبي وواشنطن وتل أبيب. وهذا التأطير ليس مجرد مغالطة تفتقر للدقة، بل هو تجسيد لنظرة استعلائية فجة. إن لأرض الصومال حساباتها الاستراتيجية المستقلة؛ فقد جرى تطوير ميناء بربرة ليخدم تطلعاتها الاقتصادية، ويعزز ممراتها التجارية الحيوية مع إثيوبيا، ويدعم مساعيها الحثيثة لتمتين شراكاتها الدولية. وعليه، فإن اختزال كل هذه الجهود الوطنية في سردية التبعية للغير يمثل طمساً متعمداً لإرادة شعب بأسره وحكومته المنتخبة شرعياً.
ويستند المقال في مجمله إلى تصريحات منسوبة لمصادر "أمنية" و"عسكرية" مجهولة الهوية، ليقدم تكهناتها على أنها حقائق دامغة. ولم يورد التقرير أي دليل قطعي يثبت انخراط دولة الإمارات العربية المتحدة حالياً في أي نشاط ذي طابع عسكري في بربرة. وثمة بون شاسع بين إبرام اتفاقية لتشغيل ميناء تجاري وبين إدارة عمليات عسكرية سرية، وهو تمييز جوهري لم تكلف صحيفة لوموند نفسها عناء توضيحه. وحين تُتخذ المصادر المجهولة باديلاً عن الاستقصاء الصحفي الرصين والقابل للتحقق، فإن ما ينتج عن ذلك لا يمت للصحافة بصلة، بل هو بالأحرى عملية غسيل ممنهجة للروايات المضللة.
وتتجاهل هذه التغطية بشكل صارخ أي تفسيرات موضوعية وبديلة لطبيعة التواجد في بربرة. فالجهود الاستراتيجية الرامية لتعزيز الأمن البحري، وعمليات مكافحة القرصنة، والتعقيدات الجيوسياسية الأوسع في حوض البحر الأحمر، فضلاً عن المتطلبات اللوجستية لحركة الملاحة التجارية، جميعها تمثل مسوغات منطقية ومباشرة لتطوير الميناء والاهتمام به. وعوضاً عن ذلك، يتعسف المقال في ليّ عنق الحقائق ليفرض قراءة أحادية الجانب تتمحور حصراً حول اليمن وإيران. وهذا التوجه الانتقائي يخدم بشكل جلي استنتاجاً تحريرياً مسبق الصنع، بدلاً من الاحتكام إلى المعطيات الواقعية وتركها لتروي القصة الحقيقية.
ولعل المعلومة الملموسة الوحيدة التي تضمنها هذا التقرير هي الزيارة التي قامت بها القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) إلى بربرة، وهو حدث معلن وموثق سلفاً. إلا أن صحيفة لوموند أغفلت، بقصد أو بدونه، السياق السياسي الأهم لهذه الزيارة؛ فبموجب قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2023، أُلزمت الإدارة الأمريكية قانونياً بالتواصل مع أرض الصومال ودراسة آفاق التعاون معها على مدى خمس سنوات. وهذا التشريع ليس وثيقة سرية، بل هو قانون عام ومتاح للجميع. وعليه، فإن تواصل أفريكوم مع بربرة يأتي في صميم هذا التفويض الصادر عن الكونغرس الأمريكي. إن تعمد إغفال هذا السياق التشريعي يرمي إلى تصوير زيارة روتينية وشرعية على أنها تحرك مشبوه وذي أهداف خفية، وهو ما يتماهى تماماً مع الأجندة الخفية للمقال.
وختاماً، إن أرض الصومال ليست مساحة فارغة أو مسرحاً مستباحاً ليطلق فيه الصحفيون العنان لمخيلاتهم الجيوسياسية الجامحة. بل هي دولة سيادية تتمتع بمؤسسات ديمقراطية راسخة، وتمتلك مصالح استراتيجية واضحة، ويضم نسيجها شعباً يستحق وعياً إعلامياً يحترم كينونته، بدلاً من اختزاله في مجرد أداة حبكة لخدمة روايات خارجية تفتقر للمصداقية.