ليست قضية صوماليلاند ملفاً طارئاً بدأ مع الاعتراف الإسرائيلي، ولا هي مجرد خلاف قانوني بين هرجيسا ومقديشو حول تفسير "وحدة الأراضي". إنها، في حقيقتها، قضية أقدم من الدولة الصومالية الحديثة نفسها، وأعمق من البيانات الدبلوماسية التي تختزلها في كلمة "انفصال". وهي أيضاً فرصة استراتيجية للعرب، وفي مقدمتهم السعودية، إن أُحسن فهمها قبل أن تتحول إلى مساحة نفوذ دائمة لغيرهم.
حين اعترفت إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر 2025، تعاملت عواصم عربية وإسلامية عدة مع الحدث كأنه بداية الأزمة. لكن الاعتراف الإسرائيلي لم يخلق صوماليلاند. ما فعله أنه كشف فراغاً عربياً وإسلامياً امتد لأكثر من ثلاثة عقود. صوماليلاند لم تُنشأ بقرار إسرائيلي، ولم تبنِ مؤسساتها عبر تل أبيب، ولم تحصل على حدودها التاريخية من صفقة طارئة. لقد وُجدت ككيان سياسي وتاريخي قبل ذلك بكثير.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا اعترفت إسرائيل؟ بل: لماذا تُركت صوماليلاند أصلاً حتى تبحث عن منفذ اعتراف عند إسرائيل؟
البداية الحقيقية
لفهم صوماليلاند لا بد من العودة إلى عام 1884، لا إلى عام 1991 فقط. ففي ذلك العام بدأت بريطانيا بسط نفوذها الرسمي على ما عُرف لاحقاً باسم الصومال البريطاني، بعد أن انتقلت المنطقة من الإدارة المصرية والعثمانية إلى النفوذ البريطاني. وتشير المراجع التاريخية إلى أن الساحل الشمالي للقرن الأفريقي كان في القرن التاسع عشر ضمن الفضاء العثماني والمصري، بينما كان الساحل الجنوبي، أي مناطق الصومال الإيطالي لاحقاً، متصلاً بفضاء زنجبار العُماني ونفوذه التجاري والسياسي.
هذا الفرق ليس تفصيلاً هامشياً. فقبل الاستعمار الأوروبي المباشر، لم تكن صوماليلاند والصومال الإيطالي اللاحق كياناً سياسياً واحداً. كانت هناك روابط عرقية ودينية وثقافية بين الشعب الصومالي، نعم، لكن الروابط الثقافية لا تعني بالضرورة وحدة الدولة. العرب أنفسهم يشتركون في اللغة والدين والتاريخ، ومع ذلك يعيشون في دول متعددة ذات حدود مختلفة وتجارب سياسية مختلفة.
وقبل المرحلة العثمانية والعُمانية، يمكن الإشارة كذلك إلى اختلاف التكوينات التاريخية في الشمال والجنوب. فصوماليلاند ارتبطت تاريخياً بفضاء سلطنة عدل، التي كان مركزها التاريخي في زيلع ومحيطها، بينما ارتبط الجنوب الصومالي بسلطنة أجوران، التي كان نفوذها متصلاً بمقديشو وشبيلي وجوبا ومراكز الساحل الجنوبي.
ليست الغاية من هذا السرد أن نقول إن التاريخ وحده يحسم الاعتراف. لكنه يثبت أن الحديث عن "الصومال الواحد" كحقيقة سياسية أزلية تبسيط مخل. هناك شعب صومالي واسع، لكن هناك أيضاً تجارب سياسية مختلفة: صوماليلاند، الصومال الإيطالي، جيبوتي، والمناطق الصومالية في إثيوبيا وكينيا. العِرق لا يكفي وحده لصناعة الدولة. وقد تناولت هذا المنطق بتفصيل أوسع في الاتحاد الذي لم يوجد قط.
من المحمية إلى الدولة
بعد عقود من الحماية البريطانية، نالت صوماليلاند استقلالها في 26 يونيو 1960 باسم "دولة صوماليلاند". وبعد أيام قليلة، دخلت في وحدة مع الإقليم الذي كان تحت الوصاية الإيطالية لتشكيل الجمهورية الصومالية في 1 يوليو 1960. هذه النقطة جوهرية: صوماليلاند لم تكن محافظة انفصلت من دولة، بل كانت دولة قصيرة العمر دخلت وحدة سياسية طوعية ثم رأت لاحقاً أن تلك الوحدة فشلت.
وحين انهارت الدولة المركزية الصومالية عام 1991، لم تكن صوماليلاند تنشئ هوية من العدم، بل أعلنت استعادة استقلالها استناداً إلى حدود الصومال البريطاني السابق وتجربة الدولة التي سبقت الوحدة. هذا لا يعني أن العالم ملزم قانونياً بالاعتراف بها فوراً، لكنه يعني أن توصيفها كـ"حركة انفصالية" فقط توصيف ناقص، وربما مضلل. كما أوضحت في إعلان صوماليلاند لاستمرارية الدولة، فإن الفرق كبير بين تقسيم دولة قائمة ومستقرة، وبين إنهاء مشروع وحدة فاشل بين كيانين كانا مستقلين تاريخياً وإدارياً قبل الوحدة.
ليس كل عودة انفصالاً
التاريخ العربي نفسه يعرف حالات مشابهة في منطقها العام. سوريا دخلت مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، ثم انسحبت من تلك الوحدة عام 1961، وعادت إلى شخصيتها السياسية المستقلة. لم يتعامل العالم مع سوريا بوصفها "كياناً انفصالياً" خارجاً عن الشرعية، بل تعامل معها كدولة عادت إلى وضعها السابق بعد فشل وحدة سياسية.
هذا المثال لا يطابق صوماليلاند في كل التفاصيل، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا تُفهم عودة سوريا عن الوحدة باعتبارها استعادة للدولة، بينما تُفهم عودة صوماليلاند عن وحدة فاشلة باعتبارها تهديداً وجودياً للنظام الإقليمي؟
ثم إن العالم العربي والإسلامي قبل استقلال جيبوتي، وهي الصومال الفرنسي سابقاً، رغم أنها جزء من الفضاء الصومالي العرقي والثقافي. فإذا كان الصومال الفرنسي قد أصبح دولة مستقلة، وإذا كان الصومال الإيطالي قد أصبح مركز الدولة المعترف بها في مقديشو، فلماذا يُطلب من الصومال البريطاني وحده أن يبقى أسير وحدة لم تعد قائمة عملياً منذ أكثر من ثلاثة عقود؟ وهذا ما عالجته بعمق أكبر في سوء تطبيق مبدأ وحدة الأراضي.
هذه ليست دعوة إلى هدم الدول، بل دعوة إلى اتساق المبدأ. إما أن نرفض كل الحدود الاستعمارية، وهذا مستحيل عملياً لأنه سيقلب النظام العربي والأفريقي كله، أو نتعامل مع الحدود الموروثة باعتبارها أساساً للنظام الدولي الحديث. وفي هذه الحالة، لا يجوز استثناء صوماليلاند وحدها.
شعار جميل، واقع أعقد
السياسة لا تُبنى على الأحلام وحدها. هناك صوماليون في الصومال، وصوماليون في جيبوتي، وصوماليون في إثيوبيا، وصوماليون في كينيا، وصوماليون في صوماليلاند. وحدة العرق لا تعني بالضرورة وحدة الدولة.
لو كان معيار الدولة هو الانتماء العرقي، لكان العالم العربي كله مطالباً بإعادة رسم خرائطه. هل وحّد العرب الشام؟ هل وحّدوا الخليج؟ هل وحّدوا المغرب العربي؟ إذا كانت التجارب الوحدوية العربية نفسها قد فشلت أو تعثرت، فلماذا يُطلب من صوماليلاند وحدها أن تتحمل عبء وحدة فاشلة إلى الأبد؟
ثم إن الصومال الواحد، بمعناه السياسي، لم يعد قائماً على الأرض منذ انهيار الدولة المركزية. مقديشو نفسها لا تزال تكافح لبناء سلطة كاملة في بلدها، بينما صوماليلاند بنت مؤسساتها بعيداً عن الفوضى. تجاهل هذا الواقع لا يصنع وحدة، بل يصنع وهماً مكلفاً.
لا تعاقبوا المستقر
من أكثر المفارقات إيلاماً أن تعاقَب صوماليلاند لأنها نجحت نسبياً. في بيئة إقليمية تمزقها الحروب الأهلية، والانقلابات، والميليشيات، والتدخلات الخارجية، حافظت صوماليلاند على قدر من الأمن والمؤسسات والانتخابات والتداول المحلي. ومع ذلك، بقيت محرومة من الاعتراف، والتمويل الدولي، والحضور الدبلوماسي، وفرص التنمية الكاملة. وكما فصّلت في صوماليلاند تستحق عشرات المليارات تعويضاً، فإن ثمن العزل الذي دفعه هذا المجتمع لا يُقاس بالبيانات الدبلوماسية.
المقاطعة لا تعاقب السياسيين فقط. إنها تعاقب الطلاب، والمرضى، والتجار، والمزارعين، والشباب، والنساء، والجامعات، والموانئ. إنها تعاقب مجتمعاً مسلماً كاملاً لأنه اختار الاستقرار في منطقة اعتادت الفوضى.
وهنا يظهر سؤال أخلاقي واستراتيجي معاً: هل من الحكمة أن يعاقب العرب ستة ملايين مسلم مستقرين لأنهم لم يعودوا يؤمنون بوحدة فشلت عملياً منذ عقود؟
الاعتراف ليس نصاً مقدساً
الاعتراف الدولي ليس نصاً ثابتاً لا يتغير. إنه موقف قانوني وسياسي يتبدل بتبدل الوقائع. السعودية نفسها، مثل غيرها من الدول، تعاملت عبر تاريخها مع دول خرجت من سياقات وحدوية أو نزاعات استقلال معقدة. اعترفت ببنغلاديش بعد انفصالها عن باكستان، واعترفت بكوسوفو عام 2009، وهي واحدة من أكثر الحالات حساسية في القانون الدولي الحديث. وكما كتبت في الاعتراف بالدولة ليس طلبية جماعية، فإن الحجة المطلقة القائلة بأن السعودية لا تعترف بالكيانات الخارجة من دول سابقة ليست دقيقة.
هذا لا يعني أن حالة صوماليلاند مطابقة لبنغلاديش أو كوسوفو أو إريتريا. كل حالة لها ظروفها. لكنه يعني أن السياسة الدولية أعقد من القواعد المطلقة، والسياسة السعودية نفسها أثبتت أنها قادرة على التعامل مع الوقائع حين تصبح أكثر قوة من الإنكار.
ولهذا، فالسؤال الحقيقي ليس: هل توجد سوابق؟ السوابق موجودة. السؤال هو: هل صوماليلاند بلغت من الاستقرار والمؤسسية والموقع الاستراتيجي ما يجعل الانخراط معها أكثر فائدة من عزلها؟
والجواب، من زاوية المصلحة السعودية، يميل بوضوح إلى نعم.
القانون والواقع
تستند نظرية الدولة في القانون الدولي، وفق الصيغة الكلاسيكية لمعايير مونتفيديو، إلى عناصر معروفة: سكان دائمون، إقليم محدد، حكومة، وقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.
صوماليلاند تملك سكاناً دائمين، وإقليماً محدداً يقوم على حدود الصومال البريطاني السابق، وحكومة قائمة، ومؤسسات أمنية وإدارية، وقدرة متزايدة على بناء علاقات خارجية. ومع أنها غير معترف بها دولياً على نطاق واسع، فإن غياب الاعتراف لم يمنعها من بناء واقع سياسي مستقر نسبياً في منطقة مضطربة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: دول كثيرة في المنطقة معترف بها بالكامل، لكنها عاجزة عن فرض سيادتها خارج نطاقات ضيقة من العاصمة أو المطار أو الفنادق المحمية. وفي المقابل، صوماليلاند غير معترف بها، لكنها تملك سلطة فعلية على الأرض، ومجتمعاً سياسياً متماسكاً، ومؤسسات محلية أكثر رسوخاً من حكومات تحظى بالمقاعد الدولية لكنها لا تحظى بالشرعية الداخلية الكافية.
وهذا تحديداً ما يجب أن يهم صانع القرار السعودي.
الأنظمة الحقيقية
من مصلحة السعودية، كقوة إقليمية كبرى، أن تتعامل مع أنظمة حقيقية تملك شرعية داخلية، لا أن ترهن سياستها فقط بحكومات مأزومة تعتمد على الاعتراف الدولي أكثر مما تعتمد على السيطرة الفعلية والقبول الشعبي.
في مقديشو، كما في صنعاء، تعلّمت المنطقة درساً قاسياً: الاعتراف الدولي لا يصنع وحده دولة، ولا يمنح وحده شرعية، ولا يحمي وحده المصالح. الحكومات التي تعيش تحت ضغط الانقسام الأهلي، والتدخلات الخارجية، والميليشيات، والإرهاب، وضعف المؤسسات، لا تكفي وحدها لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
هذا لا يعني معاداة الصومال أو اليمن أو شعوبهما. بل يعني أن السياسة الجادة تميّز بين الشعب والدولة، وبين الدولة كاسم قانوني والدولة كقدرة فعلية. السعودية لا تحتاج إلى أن تخسر مقديشو كي تكسب هرجيسا. ولا تحتاج إلى أن تعترف فوراً بصوماليلاند كي تبدأ في التعامل معها بعقلانية.
لكن من الخطأ أن تبقى الرياض أسيرة خرائط رسمية لا تعكس ميزان القوة على الأرض.
صوماليلاند، بحكم استقرارها النسبي وموقعها على خليج عدن، ليست عبئاً على السعودية، بل فرصة لها. التعامل معها لا يضعف الأمن العربي، بل قد يقويه. والانخراط معها لا يعني بالضرورة هدم الصومال، بل قد يفتح مساراً أكثر واقعية لعلاقة سلمية بين مقديشو وهرجيسا.
تسع الجميع
من الأخطاء الشائعة النظر إلى صوماليلاند كرقعة فقيرة لا تستحق إلا النقاش القانوني. الواقع أنها مساحة اقتصادية واعدة، وغنية بما يكفي لتستوعب أكثر من لاعب خليجي، لا أن تُختزل في منافسة صفرية بين الإمارات والسعودية.
ميناء بربرة يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية على خليج عدن، وقد أصبح محوراً لممر تجاري يربط الخليج بشرق أفريقيا وإثيوبيا. شركة موانئ دبي العالمية طورت حضورها هناك، وأطلقت ربطاً ملاحياً بين جبل علي وبربرة، بما يعزز موقع الميناء كبوابة بديلة إلى إثيوبيا والأسواق الداخلية في القرن الأفريقي. وكما أوضحت في خيال لوموند حول بربرة، فإن صوماليلاند ليست مجرد لاعب ثانوي في لعبة الآخرين.
لكن بربرة ليست كل القصة. صوماليلاند تمتلك ثروة حيوانية مهمة، وفرصاً في الثروة السمكية، والطاقة، والمعادن، والزراعة، والخدمات اللوجستية. وتشير جهات استثمارية رسمية إلى فرص غير مستغلة في المصائد البحرية، وإلى إمكانات في النفط والغاز والمعادن، فضلاً عن كون الثروة الحيوانية العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
وهذا يعني أن صوماليلاند ليست "ورقة إماراتية" كما يصورها البعض. هي سوق وموقع ومجتمع ودولة أمر واقع. الإمارات حضرت لأنها قرأت الفرصة مبكراً، لا لأنها صنعت صوماليلاند. والسعودية تستطيع أن تحضر أيضاً، لا لمزاحمة الإمارات، بل لتكامل خليجي أوسع يخدم البحر الأحمر والأمن العربي والأسواق الأفريقية.
صوماليلاند تسع الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت والمنامة ومسقط. والسؤال ليس: من يملك صوماليلاند؟ السؤال: من يفهمها أولاً؟
الفراغ هو العدو
إذا كان الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند مصدر قلق عربي، فالجواب لا يكون بمزيد من العزل. العزل هو الذي صنع الفراغ الذي دخلت منه إسرائيل. فمن غير المنطقي أن يُترك مجتمع مسلم مستقر نسبياً خارج دوائر الدعم العربي والإسلامي لأكثر من ثلاثين عاماً، ثم يُلام لأنه بحث عن منفذ دولي حين أُغلقت في وجهه الأبواب.
إسرائيل تتحرك بمنطق المصالح: البحر الأحمر، باب المندب، القرن الأفريقي، الأمن البحري، إيران، الحوثيون، الطاقة، والتطبيع. وحين تجد فراغاً، تدخل. لذلك فإن الرد العربي الذكي ليس في إصدار بيانات الرفض فقط، بل في سحب الورقة من يد إسرائيل عبر انخراط عربي مباشر مع صوماليلاند.
ليس المطلوب من السعودية أن تقفز إلى اعتراف فوري غير محسوب. المطلوب أن تقود مساراً عربياً أكثر ذكاءً: عدم محاربة أي بلد عربي أو غير عربي يعترف بصوماليلاند، مكاتب اتصال، مساعدات تنموية، تعاون أمني بحري، استثمارات، منح تعليمية، تواصل مباشر، ثم دراسة قانونية وسياسية متدرجة.
بهذا المنطق، الانخراط مع صوماليلاند ليس خدمة لإسرائيل، بل نزع لفرصة استراتيجية من يدها.