76. صوماليلاند وإسرائيل وصفقة الاعتراف

🌐 اقرأ بالإنجليزية
76. صوماليلاند وإسرائيل وصفقة الاعتراف

ملخص تنفيذي

على الحكومات والمراقبين في المنطقة أن يتوقفوا عن التعامل مع علاقة صوماليلاند بإسرائيل بوصفها إنذاراً أمنياً، وأن ينظروا إليها باعتبارها خياراً سيادياً عادياً. والخطوة العملية الآن هي الفصل بين التهديدات البحرية الحقيقية في خليج عدن وبين سردية تجعل كل تحرك إسرائيلي وكأنه اندفاع إلى الحرب. وعليهم أيضاً أن يرفضوا السرديات الإعلامية التي تمحو فاعلية صوماليلاند حتى بعد أن تنفي هرجيسا مزاعم استقبال اللاجئين ومزاعم القواعد العسكرية.

والتوصية واضحة. على صوماليلاند أن تواصل بناء علاقاتها وفق مصالحها، وعلى الأطراف الخارجية أن تحكم على النتائج لا على المحرمات الموروثة. هذه العلاقة تتعلق بالقوة الناعمة، والنظام البحري، والتعاون العملي، وبصفقة اعتراف تنسجم مع الطريقة التي يتحرك بها الاعتراف بالدول اليوم.

النص الكامل

السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت صوماليلاند تستطيع أن تتحدث مع إسرائيل. فهي تتحدث بالفعل مع دول وكيانات كثيرة. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه العلاقة تخلق خطراً. والجواب هو لا، على الأقل ليس بالطريقة التي يزعمها المنتقدون.

الخوف عادة ما يُقدَّم في ثوب الحكمة الإقليمية. لكنه في الواقع كثيراً ما يكون مجرد عادة موروثة. صوماليلاند سبق أن أقامت علاقات مع الإمارات وتايوان وإثيوبيا وغيرها من دون أن تتحول إلى أداة بيد أحد. والمنطق نفسه ينطبق هنا.

خوف مضلل

الاضطراب الأمني في خليج عدن لم تصنعه دبلوماسية صوماليلاند. الحوثيون لم يظهروا بسبب فتح هرجيسا قناة مع إسرائيل، والقرصنة الصومالية لم تعد لأن صوماليلاند اختارت سياسة خارجية براغماتية.

هذه التهديدات كانت موجودة من قبل، وستبقى ما لم تُواجَه مباشرة. ربطها بعلاقات صوماليلاند الخارجية خطأ في التصنيف قبل أن يكون خطأ في التحليل.

ولا يوجد أيضاً ما يدل بجدية على أن هذه العلاقة جعلت صوماليلاند منصة لتفجير صراع. أبناء صوماليلاند لا يريدون أن تُطلق من أرضهم هجمات على الحوثيين. وإذا قررت الولايات المتحدة في يوم ما ضرب الحوثيين، فسيكون ذلك لأن لديها تقديراً استراتيجياً لذلك، لا لأن هرجيسا وقعت على ورقة سماح.

محاولة تحويل هذا الأمر إلى حجة ضد صوماليلاند ضعيفة. فهي تخلط بين وجود الخطر ووجود المسؤولية. وهما ليسا شيئاً واحداً.

والصورة النمطية الأعمق تقول إن إسرائيل تذهب إلى الحرب كأنها خيار افتراضي، وكأنها تدخل حرب إيران أو غزة أو لبنان أو الحوثيين بلا مصلحة وطنية. هذا ليس تحليلاً جاداً. في كل تلك الملفات تتحرك إسرائيل وفق حساباتها الأمنية، حتى لو رفض الآخرون نتائجها.

والحوثيون ليسوا في موقع يسمح لهم بإلحاق ضرر مستدام بالشعب الإسرائيلي من مدى وصولهم الحالي. وإذا تعطلت الممرات البحرية، فالمشكلة لن تقع على إسرائيل وحدها. السعودية والمنطقة كلها ستتأثر. ولهذا لا يجوز اختزال المسألة في سردية تقول إن إسرائيل تريد فقط أن تحارب المسلمين.

والهجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل ليست شأناً إسرائيلياً خاصاً. إنها شأن عالمي، لأن البحر الأحمر وباب المندب يخدمان كل من تمر تجارته عبرهما. وإذا أُغلق باب المندب، فسيكون الحل أقرب إلى المنطق الذي شرحته في ما الذي يعنيه فتح مضيق هرمز فعلاً، أي جهد إقليمي ودولي، لا أن تتحرك إسرائيل وحدها.

ولا تحتاج إسرائيل إلى إنشاء قواعد لتثبت هذه النقطة. فنظام الملاحة نفسه يمنح كل طرف جاد سبباً للدفاع عن بقاء هذا الممر مفتوحاً.

وهذا جزء من عادة أوسع في الإعلام المعادي لصوماليلاند. تُصوَّر صوماليلاند بلا فاعلية ولا مسؤولية. كأنها أرض فارغة يتحرك فوقها الآخرون، لا جماعة سياسية قادرة على القبول والرفض وشرح قراراتها. وكما قلت في خيال لوموند عن بربرة، هكذا تمحو السرديات الخارجية هرجيسا حتى حين تزعم أن القصة عنها.

ولهذا تعود القصص الزائفة نفسها. تستطيع صوماليلاند أن تنفي خطط استقبال لاجئين فلسطينيين. وتستطيع أن تنفي مزاعم وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية. ومع ذلك تعيد المنصات نفسها تدوير المزاعم، لأن السردية تحتاج إلى صوماليلاند سلبية بما يكفي كي يستخدمها الآخرون، ومذنبة بما يكفي كي تُلام على كل شيء.

اختبار السيادة

القضية الأعمق هي السيادة. صوماليلاند تموّل نفسها من الضرائب الداخلية والتحويلات المالية. وهذا يمنحها مساحة لقول نعم ولا بطريقة لا تزال الصومال عاجزة عنها. أما الصومال فما يزال يعتمد بدرجة أكبر بكثير على الدعم الخارجي، وهذا الاعتماد يجعل قراراته الدبلوماسية أضعف وأكثر هشاشة.

لو كانت إسرائيل تؤسس علاقة مع الصومال، لكان القلق أكبر. فالدولة التي لا تملك استقلالاً مالياً كافياً تملك مساحة أقل للاختيار، ومساحة أقل للرفض، ومساحة أقل للانضباط في سلوكها الخارجي. صوماليلاند ليست في هذا الوضع.

ولهذا فالسؤال الإسرائيلي هو في الحقيقة اختبار لصوماليلاند. هل تستطيع صوماليلاند أن تتصرف كجماعة سياسية ذات سيادة، تختار شركاءها وفق المصلحة والمبدأ؟ الجواب نعم، ولهذا بالتحديد تكتسب العلاقة أهميتها.

وكما أوضحت في الاعتراف بالدولة ليس طلباً جماعياً، فإن الاعتراف قرار تتخذه الدول، لا حكماً تصدره الجيرة المعادية أو العادة الإقليمية. صوماليلاند لا تحتاج إذناً من مقديشو كي تحدد مع من تتحدث.

صفقة الاعتراف

لقد جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي الرابط واضحاً الآن. الاعتراف بالقدس مرتبط باعتراف إسرائيل بصوماليلاند.

وهذا ليس فضيحة. إنها الصفقة التي تقف خلف الاتفاق.

كوسوفو فعلت الشيء نفسه. اعترفت إسرائيل بكوسوفو، واعترفت كوسوفو بإسرائيل، وفتحت كوسوفو سفارتها في القدس. صوماليلاند لا تتصرف خارج سلوك الدول التي تسعى إلى الاعتراف. بل تتصرف كدولة تفهم ثمن الحركة الدبلوماسية وقيمتها.

هذا يتحول إلى شكل جديد من العرف الدولي. الاعتراف لم يعد مسألة أخلاقية أو قانونية فقط. لقد أصبح أكثر استراتيجية وتبادلاً وصفقية.

وهذا لا يضعف حجة صوماليلاند. بل يجعلها أكثر واقعية. الحجة القانونية ما زالت مهمة، لكن القانون وحده من دون قوة نادراً ما يحرك التاريخ.

منطق المنطقة

المنطقة كلها تستفيد حين تبقى الممرات البحرية مفتوحة. خليج عدن ليس بحيرة خاصة. إنه يربط التجارة والملاحة والعائدات من البحر الأحمر بالقرن الأفريقي.

ينتمي باب المندب إلى الفئة نفسها التي ينتمي إليها مضيق هرمز. حين تُهدد هذه الممرات، فإن الجواب الجاد هو التنسيق بين الدول المتأثرة والشركاء الدوليين، لا الخيال القائل إن دولة واحدة يجب أن تحمل العبء كله.

وكلما زادت حركة المرور عبر قناة السويس، زادت معها حركة الموانئ في صوماليلاند. هذا ليس تضارباً في المصالح. إنه منطق تجاري مشترك.

العادة القديمة التي تعامل كل خط عربي وغير عربي كأنه عقيدة ثابتة تنتمي إلى عصر سياسي انتهى. وهي نفسها العقلية الباهتة التي لا تزال تحاول إدخال صوماليلاند داخل إطار الصومال، رغم عقود من الفشل في السيطرة الفعلية.

وكما قلت في لا تبالغوا في قراءة إشارة أمريكا تجاه صوماليلاند ونحو سياسة عربية واقعية تجاه صوماليلاند، فإن السيادة لا تمنحها المزاجات الإقليمية. الاعتراف يأتي حين يصبح الإنكار نفسه مستحيلاً.

مكاسب استراتيجية

هناك أيضاً جانب إيجابي يتجاهله كثيرون.

إسرائيل تمتلك أعلى نصيب للفرد من الناتج المحلي في المنطقة، وتتمتع بقدرة ابتكار عالية، كما تربطها بالولايات المتحدة علاقة عمل من الأقرب في العالم. وهذا يعني أن صوماليلاند لن تتعامل مع طرف هامشي، بل مع دولة لها وزن حقيقي في واشنطن وحضور فعلي في النظام الدولي الأوسع.

وهذا مهم لأن مجالات التعاون المحتملة واسعة. فالتكنولوجيا والزراعة والثروة الحيوانية والأمن كلها ميادين يمكن لعلاقة عملية أن تفتح فيها فرصاً ملموسة. ولا يوجد سبب جدي يمنع صوماليلاند وإسرائيل من العمل معاً في هذه المجالات بما يخدم الطرفين.

ولإسرائيل أيضاً امتداد دبلوماسي يتجاوز منطقتها المباشرة. فحضورها يصل من أميركا الجنوبية إلى آسيا وأستراليا، في وقت ترتبط فيه طموحات صوماليلاند الدبلوماسية بالحاجة إلى هذا النوع من الانفتاح العالمي. صوماليلاند ديمقراطية، وإسرائيل ديمقراطية، وهذا تقاطع سياسي مهم.

وهناك مصلحة إسرائيلية أخرى. حين تعترف إسرائيل بصوماليلاند أولاً، فهي لا تبدو معزولة. بل تبدو كقوة وسطى صاعدة تملك الجرأة على تقديم المصلحة الوطنية على الجمود السياسي. هذه مساحة لا تدخلها إلا الدول الواثقة من وزنها. جيبوتي لا تستطيع فعل ذلك. وإثيوبيا حاولت ولم تستطع إكمال الطريق.

وهذه الخطوة تكشف أيضاً نفاق النظام الدولي. صوماليلاند تستوفي منطق مونتيفيديو في الدولة، ولديها حجة قوية تقوم على استمرارية الدولة لا على الانفصال. وحين تسمي إسرائيل هذا الواقع أولاً، فإنها تكتسب موقع الدولة التي تقول ما يعرفه الآخرون ويتجنبونه.

كما أن صوماليلاند تقدم قيمة عملية. موقعها، ومعادنها، ومواردها التجارية غير المستغلة تفتح مجالاً واسعاً أمام الأعمال الإسرائيلية والصوماليلاندية. هذه ليست جائزة ترضية لإسرائيل. إنها فرصة دبلوماسية نادرة دخلتها إسرائيل قبل أن يملك الآخرون الشجاعة نفسها.

صحيح أن التوقيت حساس لأن إسرائيل منخرطة في حرب مع إيران، لكن الصراع المؤقت لا ينبغي أن يحدد علاقة طويلة الأمد. الدول تُقاس عبر الزمن، لا عبر بضعة أشهر صعبة. وعلى المدى البعيد، تكسب صوماليلاند من بناء علاقة مع حليف جاد. وإسرائيل تكسب أيضاً لأنها تحصل على حضور موثوق في شرق أفريقيا، وعلى صلة بنظام أوسع من الشراكات يشمل إثيوبيا والإمارات والولايات المتحدة.

هذه ليست علاقة تصادمية من النوع الذي يتخيله البعض في ساحات أخرى. لا توجد هنا مصلحة وطنية متأصلة في الحرب. الموجود هو القوة الناعمة، والتعاون العملي، والمصلحة المشتركة في إبقاء الفضاء البحري صالحاً للعمل. وهذا بالضبط هو المجال الذي يجب أن يُحاصر فيه الإرهاب والحوثيون، لا أن يُترك لهم.

وعلى مصر أيضاً أن تتوقف عن تسييس الموضوع وكأنه مساحة لاستخراج مكاسب من كل قضية بحرية. عليها أن تفكر بما يفيد الجميع الذين يعتمدون على هذه الممرات، لا بما يخدم التكتيك اللحظي.

كلفة سياسية

دفعت صوماليلاند ثمناً سياسياً حقيقياً لهذه العلاقة. لقد تحركت في وقت تواجه فيه إسرائيل موجة كبيرة من معاداة السامية والعداء لإسرائيل، وبعض هذا العداء بدأ يتجه نحو صوماليلاند نفسها. وقد تصبح الحكومات العربية وتركيا أعلى صوتاً في معارضتها.

لكن لا يوجد فرق عملي كبير بين دولة تجاهلت صوماليلاند خمسة وثلاثين عاماً ودولة غاضبة من صوماليلاند اليوم. النتيجة واحدة تقريباً. عقوبة واقعية غير معلنة. حرمان من قنوات التنمية الطبيعية. وكلفة تراكمت على صوماليلاند بمليارات الدولارات.

ولهذا فإن الضغط لا يضعف صوماليلاند. بل يوضح السؤال. على مقديشو أن تفهم أن صوماليلاند لا تنتظر العودة إلى الوحدة. المسافة أصبحت سياسية وقانونية ونفسية. وعزيمة صوماليلاند اليوم في أعلى مستوياتها.

الخلاصة

الأثر الأهم لعلاقة صوماليلاند بإسرائيل ليس الخطر. بل الوضوح. فهي تجبر الناس على أن يسألوا أنفسهم هل يؤمنون فعلاً باستقلال صوماليلاند، أم أنهم لا يقبلونه إلا إذا تصرفت كإقليم تابع.

وهذا سؤال تأخر كثيراً.

وهو يوضح أيضاً لماذا نحتاج إلى سياسة عربية أكثر واقعية. صوماليلاند لا ينبغي أن تُعامل كملف يجب احتواؤه. بل كدولة تتخذ بالفعل قرارات الدولة.

إذا بدا الإقليم منزعجاً، فذلك لأن هذه العلاقة تكشف الافتراضات القديمة. وهذا أمر جيد. فبعض الافتراضات تستحق أن تُزعزع.

صوماليلاند ليست الأزمة. الأزمة هي رفض الاعتراف بأنها تتصرف منذ زمن كدولة.

عدد الكلمات: 1,573

ابحث عن المقال في X

...
تصفيق