صنعت بربرة رصيدا حقيقيا من الثقة بين الإمارات العربية المتحدة وصوماليلاند. فهي تصل تجارة الخليج بأسواق شرق أفريقيا، وتثبت أن الشراكة العملية تستطيع أن تسبق العلاقات الدبلوماسية. وقد حان لأبوظبي أن تحول هذا الرصيد إلى اعتراف.
اعترفت إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر 2025. وتستطيع الإمارات أن تكون أول دولة عربية تعترف بها، فتبني على هذه السابقة من دون أن تتخلى عن أي من علاقاتها الأخرى.
على رئيس الدولة أن يكلف وزارة الخارجية بإجراء مراجعة قانونية واستراتيجية، بالتنسيق مع وزارة خارجية صوماليلاند، تمهيدا للاعتراف. لقد نجحت الشراكة بالفعل، وآن للقرار السياسي أن يلحق بالواقع.
بربرة دليل على الثقة الاستراتيجية
تعهدت موانئ دبي العالمية باستثمار ما يصل إلى 442 مليون دولار لتوسعة ميناء بربرة، ثم افتتحت منطقة بربرة الاقتصادية وأنشأت خطا ملاحيا مع جبل علي. هكذا أصبح الميناء والمنطقة والممر التجاري منظومة واحدة تخدم صوماليلاند وإثيوبيا والخليج.
هذه ليست وعودا تنتظر التنفيذ، بل منجزات قائمة. وجدت الإمارات شريكا بنى السلام والمؤسسات والحكم، ثم قدمت رأس المال والخبرة اللوجستية اللذين حولا الموقع إلى نفوذ. وسيحمي الاعتراف هذا الاستثمار، إذ ينهي الغموض ويقيم علاقة مستقرة بين دولتين ويمنح المستثمرين ثقة أكبر.
تجربة الاتحاد تقرب البلدين
نشأ البلدان من ترتيبات اتحادية أثبتت قدرتها على البقاء. جمعت الإمارات سبع إمارات في دولة اتحادية دستورية، بينما جمعت صوماليلاند مجتمعاتها في توافق سياسي مستقر داخل الحدود التي أرستها معاهدات الحماية في القرن التاسع عشر. وكلاهما جرب مشروعا اتحاديا أوسع ثم تجاوزه حين أخفق. عمل مؤسسو الإمارات من أجل اتحاد من تسع إمارات يضم قطر والبحرين، ثم قبلوا باتحاد الإمارات السبع عندما تعذر جمع الإمارات التسع. أما محاولة صوماليلاند الأوسع فكانت أقسى بكثير، إذ انتهت التجربة بالفشل ثم استعادت سيادتها.
القانون يؤيد الاعتراف الإماراتي
نصت وثيقة الاستقلال البريطانية على استقلال صوماليلاند في 26 يونيو 1960. وفي الأول من يوليو، دخلت صوماليلاند في اتحاد بحكم الأمر الواقع مع دولة الصومال، التي كانت خاضعة سابقا للإدارة الإيطالية. وخلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي عام 2005 إلى أن المصادقة القانونية على محاولة الاتحاد بين دولتين مستقلتين لم تكتمل، ووصفت قضية الاعتراف بصوماليلاند بأنها حالة فريدة لا تنشئ سابقة انفصالية. لذلك تستند استعادة صوماليلاند لسيادتها إلى استمرارية الدولة، لا إلى الانفصال.
ولا يلزم القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي إلا أعضاء الاتحاد، والإمارات ليست عضوا فيه. كما تنص المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أن المعاهدة لا تنشئ التزامات أو حقوقا لدولة ثالثة من دون رضاها. والاعتراف قرار سيادي تنفرد به كل دولة. للدول الأخرى أن تعترف بصوماليلاند أو تمتنع، لكنها لا تملك أن تقرر نيابة عن أبوظبي.
وقد قبل الاتحاد الأفريقي عضوية المغرب عام 2017 مع استمرار عضوية الجمهورية الصحراوية، أي إنه استوعب موقفين متعارضين من الاعتراف بالصحراء الغربية. وإذا تكررت موجة الإدانات التي أعقبت اعتراف إسرائيل، فلأبوظبي سؤال واضح: أين كانت هذه الحماسة حين هاجمت إيران الإمارات؟ لقد أدانت صوماليلاند الهجمات قبل اجتماع مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي وقبل اجتماع الجامعة العربية. الوفاء الذي تثبته المواقف أهم من الاعتراضات الجاهزة.
الاعتراف يبني جسرا عربيا
سيجعل الاعتراف من الإمارات جسرا يصل العالم العربي بصوماليلاند وإثيوبيا. تربط بربرة اقتصادات الأطراف الثلاثة بالفعل، وسيحول الاعتراف هذا الارتباط الاقتصادي إلى قناة سياسية موثوقة تمنح هرجيسا وأديس أبابا شريكا عربيا يمكن الاعتماد عليه. قد يعترض بعض المنتقدين اليوم، لكنهم سيدركون لاحقا أن أبوظبي أنشأت قناة عربية دائمة إلى هرجيسا، وأبقت المصالح العربية المشروعة حاضرة في حساباتها.
أما واشنطن فهي سبب للتقدم لا للتريث. يصف البيت الأبيض العلاقة مع الإمارات بأنها شراكة استراتيجية ممتدة منذ عقود في الدفاع والتجارة والطاقة والدبلوماسية. وبوسع أبوظبي أن تشجع الرئيس ترامب على الاعتراف بصوماليلاند. على واشنطن أن تحذو حذو شريكها الموثوق. وسيضع الاعتراف الإماراتي أي قرار أميركي لاحق في إطار استراتيجية منسقة للبحر الأحمر، كما سيعزز سياسة عربية واقعية.