بعد أكثر من ثلاثة عقود، حان الوقت لمراجعة بعض المسلمات التي حكمت النظرة العربية إلى القرن الأفريقي.
فالكثير من السياسات بُنيت على افتراضات خاطئة، ثم تفاجأ أصحابها عندما جاءت النتائج مخيبة للآمال.
والحقيقة أن أي استراتيجية تبدأ بخريطة خاطئة، تنتهي بسياسة خاطئة.
الحقائق أولاً
الحقيقة الأولى بسيطة. صوماليلاند ليست عربية.
والصوماليون ليسوا عرباً من الناحية القومية أو اللغوية أو التاريخية. نحن شعب كوشي أفريقي، واللغة الصومالية تنتمي إلى الفرع الكوشي من العائلة الأفرو آسيوية، كما تذكر بريتانيكا في مدخلها عن الشعب الصومالي. وصوماليلاند تنتمي إلى فضائها الطبيعي في القرن الأفريقي.
هذه ليست إساءة للعرب. إنها مجرد حقيقة. الأتراك ليسوا عرباً. الإيرانيون ليسوا عرباً. الإثيوبيون ليسوا عرباً. والصوماليون ليسوا عرباً كذلك.
احترام الهوية يبني الشراكات. أما محاولة إعادة تعريف الشعوب بما يناسب التصورات السياسية الموروثة، فلا تبني إلا سوء الفهم.
الحقيقة الثانية لا تقل وضوحاً. صوماليلاند ليست على البحر الأحمر.
صوماليلاند تقع على خليج عدن. وخليج عدن حوض بحري مستقل بين الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، يصل بين البحر الأحمر وبحر العرب، كما توضّح بريتانيكا في تعريفها لخليج عدن. وقد أدى الخلط المستمر بين البحر الأحمر وخليج عدن إلى فهم ناقص لطبيعة المنطقة ومصالحها وتوازناتها.
الحقيقة الثالثة أوسع. القرن الأفريقي ليس امتداداً للعالم العربي. إنه إقليم أفريقي مجاور للعالم العربي.
جار مهم، نعم.
لكنه ليس تابعاً.
ومن أراد سياسة ناجحة تجاه القرن الأفريقي، فعليه أولاً أن يتعامل معه كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.
الجار الحاضر
هناك حقيقة أخرى لا يمكن القفز فوقها.
إثيوبيا.
سواء أحبها البعض أم لا، فهي إحدى القوى الكبرى في أفريقيا. ويصف البنك الدولي إثيوبيا بأنها ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، وبنحو 135.9 مليون نسمة في 2025. وستظل جزءاً أساسياً من معادلات المنطقة.
وصوماليلاند بحكم الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد ترتبط بإثيوبيا بعلاقات عميقة ومصالح مشتركة. الجغرافيا لا يمكن التصويت ضدها. ولا يمكن إصدار قرار يلغيها.
وصوماليلاند تملك الحق في إبرام أي اتفاق قانوني تريده مع إثيوبيا بشأن ساحلها. والحجة التي تُسمع أحياناً من القاهرة، بأن إثيوبيا ليست دولة ساحلية ولذلك لا يجوز أن يكون لها ترتيب بحري عبر صوماليلاند، حجة غير منطقية. نحن لا نتحدث عن البحر الأحمر. مصر لا تملك ساحلاً على خليج عدن. السعودية لا تملك ساحلاً على خليج عدن. تركيا لا تملك ساحلاً على خليج عدن. وكما أن مصر لا تملك حق الفيتو في البحر الأسود، فهي لا تملك حق الفيتو في خليج عدن.
والسجل العملي أوضح من ذلك. فقد دمّرت هجمات الحوثيين على السفن حركة الملاحة عبر طريق السويس، وذكرت أسوشيتد برس أن إيرادات قناة السويس هبطت من 10.25 مليار دولار في 2023 إلى 3.991 مليار دولار في 2024. هذا يعني خسارة سنوية تفوق 6 مليارات دولار، ولم تستطع مصر منع ذلك الضرر. إن شراكة أقوى بين صوماليلاند وإثيوبيا وإسرائيل والولايات المتحدة وغيرها من الأطراف الجادة ستساعد في ضمان ألا تهدد الجهات العنيفة من غير الدول باب المندب وممر خليج عدن الأوسع.
وأي استراتيجية عربية تتجاهل إثيوبيا، أو تتعامل مع القرن الأفريقي وكأنه ساحة منفصلة عنها، محكوم عليها بالفشل. ولهذا لا يمكن اختزال علاقة صوماليلاند وإثيوبيا في شعارات، كما أوضحت في مذكرة التفاهم بين صوماليلاند وإثيوبيا.
فشل الإنكار
لأكثر من ثلاثين عاماً، راهن كثيرون على أن صوماليلاند ستختفي.
لم تختفِ.
راهنوا على أنها ستنهار.
لم تنهَر.
راهنوا على أنها ستعود إلى مقديشو.
ولم تعد.
بعد أكثر من ثلاثة عقود ما زالت صوماليلاند موجودة، بمؤسساتها وحكومتها وانتخاباتها وعلاقاتها الخارجية واقتصادها وأمنها. يمكن للمرء أن يؤيد هذا الواقع أو يعارضه. لكن لا يمكنه إنكاره.
فالإنكار ليس سياسة.
إنه مجرد تأجيل للاعتراف بالحقيقة.
الفراغ العربي
المشكلة ليست فقط أن العرب خسروا نفوذاً في القرن الأفريقي. المشكلة الأعمق أنهم كثيراً ما تصرفوا وكأن النفوذ سيأتي تلقائياً.
تم تجاهل صوماليلاند لعقود. ولم تُبنَ معها علاقات جدية. ولم تُستثمر طاقات سياسية أو اقتصادية حقيقية لفهمها أو التواصل معها.
لكن الفراغ لا يبقى فراغاً.
فعندما يغيب طرف، يحضر طرف آخر. وعندما تُترك مساحة استراتيجية فارغة، سيملؤها شخص آخر.
هذه ليست مؤامرة. هذه هي طبيعة السياسة الدولية.
وهذا هو المعنى الذي ناقشته في إلى الرياض، لا تخسروا صوماليلاند. صوماليلاند لم يصنعها اهتمام الآخرين. لكنها أصبحت متاحة للآخرين لأن السياسة العربية خلطت بين الغياب والمبدأ.
الإمارات
الاستثناء هنا هو دولة الإمارات العربية المتحدة.
الإمارات فعلت ما اكتفى غيرها بالحديث عنه. لقد استثمرت. فقد التزمت موانئ دبي العالمية بما يصل إلى 442 مليون دولار لتطوير ميناء بربرة، وهو أكبر استثمار عربي داعم في تاريخ صوماليلاند الحديث. تعاملت الإمارات مع صوماليلاند كمكان حقيقي له بنية تحتية ومصالح، لا كحرج دبلوماسي ينبغي تجنبه.
ولهذا تحتل الإمارات مكانة عاطفية وسياسية مختلفة في هرجيسا. العلم العربي الذي رفعه الصوماليلانديون بحفاوة في هرجيسا هو العلم الإماراتي. والرموز مهمة لأنها تعكس الذاكرة. يتذكر الصوماليلانديون من حضر، ومن استثمر، ومن عاملهم باحترام.
وظهر المنطق نفسه عندما ضربت إيران دولاً خليجية وعربية. فقد ذكر موقع هورن دبلومات أن صوماليلاند أدانت بقوة الضربات الإيرانية على الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية والأردن في 1 مارس 2026، بينما بقيت مقديشو صامتة. لم يكن ذلك موقفاً صغيراً. لقد أظهر أن صوماليلاند تستطيع أن تختلف مع عواصم عربية في ملف الاعتراف، وأن تقف في الوقت نفسه بوضوح مع أمن الخليج حين تتعرض المنطقة للتهديد.
والإمارات تفهم إثيوبيا أيضاً. علاقتها بأديس أبابا ليست صدفة، إذ تصف الإمارات نفسها سجلاً طويلاً من التعاون السياسي والتجاري والاستثماري مع إثيوبيا، بما في ذلك دعم كبير أُعلن عام 2018. وهذا يجعل أبوظبي من الأطراف العربية القليلة القادرة على رؤية صوماليلاند وإثيوبيا وخليج عدن كصورة استراتيجية واحدة، لا كثلاثة ملفات منفصلة.
إسرائيل نتيجة
إذا كانت بعض العواصم العربية قلقة اليوم من تنامي العلاقات بين صوماليلاند وإسرائيل، فعليها أن تطرح سؤالاً بسيطاً.
من الذي ترك هذا الفراغ؟
صوماليلاند لم تنتقل من مكانها. ولم تغيّر موقعها الجغرافي. ولم تُدر ظهرها للمنطقة.
الذي حدث أبسط من ذلك. كثيرون اختاروا تجاهلها لسنوات طويلة.
ومزيد من عزل صوماليلاند لن يقلل النفوذ الإسرائيلي. بل سيجعل إسرائيل الطرف الوحيد الذي يجني فوائد الشراكة معها.
الطريق إلى تقليص نفوذ الآخرين لا يكون بالغياب. بل بالحضور.
ولا يكون بالمقاطعة. بل بالمنافسة.
ولا يكون بترك الساحة. بل بدخولها.
فمن يريد أن يكون له دور في صوماليلاند، عليه أن يأتي إلى صوماليلاند. أما تركها للآخرين ثم الشكوى من نفوذهم، فليست استراتيجية جادة. إنها الوهم نفسه الذي يتكرر بأشكال مختلفة، وهو ما وصفته في أوقفوا تمويل الوهم.
فرصة حقيقية
بدلاً من النظر إلى صوماليلاند كملف مزعج، يمكن للعالم العربي أن ينظر إليها كفرصة.
فرصة لبناء جسر حقيقي بين العالم العربي والقرن الأفريقي. وفرصة لبناء علاقات أفضل مع إثيوبيا وعمق أفريقيا الاقتصادي. وفرصة لتعزيز التجارة والأمن البحري والاستثمارات والتعاون الإقليمي.
فالعالم العربي لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات في جواره. بل يحتاج إلى شركاء مستقرين.
وصوماليلاند قادرة على أن تكون أحد هؤلاء الشركاء.
وهذا يتطلب تغييراً في المنهج. على جامعة الدول العربية أن تشكل بعثة عربية مستقلة لتقصي الحقائق ودراسة قضية صوماليلاند على أرض الواقع. وأن تفتح قنوات تواصل مباشرة مع هرجيسا. وأن تطور العلاقات الاقتصادية والثقافية والأمنية بعيداً عن الشعارات والمواقف الموروثة. وأن تبني سياسة تجاه القرن الأفريقي تنطلق من الحقائق الجغرافية والديموغرافية والسياسية، لا من الافتراضات القديمة.
فالاعتراف بالدولة ليس طلبية جماعية، والإجماع العربي لا يغني عن الواقع، كما كتبت في الاعتراف بالدولة ليس طلبية جماعية. السياسة العربية الجادة لا تبدأ بسؤال كيف نحافظ على الوهم. بل تبدأ بسؤال كيف نحمي مصالحنا في العالم كما هو قائم فعلاً.