يكمن سر نجاح صوماليلاند على مدى ثلاثة عقود في أن سنوات تأسيسها خلت من الاستعمار الأسمر. وعليها أن تتعلم من ذلك التاريخ، وأن ترفض تلاعب أي قوة متوسطة بمصيرها، وأن تبني قدراتها دون مساعدات.
الاستعمار الأسمر هو المرحلة الاستعمارية الجديدة في أفريقيا. تُخضع قوى متوسطة في غرب آسيا، منها قطر وتركيا والإمارات والسعودية، بلداناً تفتقر إلى حكومات فاعلة وسيادة فعلية، لتستغل مواردها ومواقعها الاستراتيجية. كانت مصر من أوائل من مارسوا هذا الاستعمار، وكانت صوماليلاند من أولى ضحاياه.
ملأ الاستعمار الأسمر الفراغ الذي تركه الاستعمار الأبيض. سلمت بريطانيا أراضي الرعي إلى إثيوبيا، ثم تركت صوماليلاند في فوضى، كما فعلت عند إنهاء الانتداب البريطاني في الشرق الأوسط. لم تكترث بمستقبل صوماليلاند. لم تبدأ معارضة مصر لسيادة صوماليلاند عام 2025 ولا عام 1991، بل في خمسينيات القرن الماضي. رجح نفوذ جمال عبد الناصر كفة دعاة الاتحاد في انتخابات صوماليلاند، وطغى على أصوات من أرادوا بلداً مستقلاً. ووصفت نشرة لوكالة الاستخبارات المركزية رُفعت عنها السرية لاحقاً (نسخة مؤرشفة) دعاة الاتحاد الفائزين في فبراير 1960 بأنهم مدعومون من الجمهورية العربية المتحدة. أرادت القاهرة أداةً في يدها. كان استمرار الصراع والضغط على إثيوبيا ومنعها من السيطرة على النيل أهم من حرية الصوماليين أو وحدتهم.
غيرت إثيوبيا ميزان القوى على النيل بسدها، لكن السياسات التي ورثتها القاهرة عن عبد الناصر بقيت. وما زالت القاهرة تريد حرمان إثيوبيا من الوصول إلى البحر. تبقى إريتريا فقيرة بسبب صراعها الدائم مع إثيوبيا. ولم تجر انتخابات وطنية منذ استقلالها، لكنها تؤدي دور الحاجز الذي تريده القاهرة أمام إثيوبيا. قيمتها في خدمة مصالح القاهرة أهم من رخاء شعبها. هذا استعمار.
بخلاف الاستعمار الأبيض، لا يُنتظر رحيل الاستعمار الأسمر. فالقرب الجغرافي وما تعده هذه القوى تهديدات وجودية يدفعانها إلى فرض ترتيبات استراتيجية دائمة، بصرف النظر عن القانون الدولي أو إرادة السكان. سواء هُزمت حركة الشباب، أو نجحت حكومة الصومال، أو نالت صوماليلاند الاعتراف، تريد أنقرة الصومال امتداداً للمصالح التركية، مع توسيع منشآتها الفضائية والعسكرية باستمرار. ويمتد وهم أنقرة إلى خليج عدن وأراضي بربرة الثمينة.
هذه القوى ليست متطابقة. بعضها يتحرك وفق استراتيجية، وبعضها يكتفي بردود الفعل. جلبت علاقة الإمارات بصوماليلاند استثمارات تجارية عززت اقتصادها دون اشتراط تبعية سياسية. وتظهر النتيجة في موقع بربرة في صدارة موانئ أفريقيا جنوب الصحراء التي شملها مؤشر البنك الدولي لعام 2023. لو جلبت هذه الاستثمارات حرباً أو أضعفت مكانة صوماليلاند، لسميتها استعماراً. لكنها فعلت العكس.
يمكن انتقاد مجمل تدخل الإمارات في السودان، لكن لو كانت القوة الخارجية الوحيدة لربما حسمت الأمر. أما اجتماع مصر والسعودية والإمارات فيه، فقد أفسد الطبخة بكثرة الطباخين. عقد المستعمرون البيض، على الأقل، مؤتمرات للتفاوض على أطماعهم المتنافسة وتحديد الحدود. وفي اليمن وليبيا أيضاً، لو نسقت القوى المتوسطة جهودها وركزت كل منها على بلد واحد، لأمكن تخفيف المعاناة. أما السباق الاستعماري اليوم فأسوأ، إذ يتصارعون على كل شبر دون خطة متفق عليها. الخطة هي الجشع والغيرة ومزايدة كل طرف على الآخر.
على أمريكا أن تضع معايير تفرق بين القوى المتوسطة المسؤولة والمستعمرين السمر، بدلاً من الاحتفاء بكل توسع بوصفه نمواً طبيعياً. الحكومات التي لا تكترث برفاه شعوبها وحريتها وحقوقها تعامل شعوب الآخرين معاملة أسوأ. تحتاج أمريكا إلى شركاء إقليميين يتحملون مسؤولياتهم، لكن السودان يكشف ما يحدث حين تتركهم واشنطن دون ضوابط. والسياسة المبدئية تجاه السودان تتطلب أكثر من الخطابات والامتناع عن التدخل أو ادعاء الحياد.
رغم المصالح والقيم المشتركة، أهملت أمريكا صوماليلاند بينما تدخلت في العراق وأفغانستان. وربما يقلد المستعمرون السمر إدارات أمريكية سابقة. على واشنطن أن تقدم القدوة.
دافع الجمهوريون عن صوماليلاند قبل أن تتحرك إسرائيل. أضاع بايدن سنوات، واعترفت إسرائيل بصوماليلاند أولاً. أعاد الإعلام العربي ترويج الأكاذيب عن اشتراط توطين الفلسطينيين وإقامة قواعد عسكرية مقابل الاعتراف. كشفت الأيام زيف دعايتهم، وأثبتت مبدئية موقف إسرائيل. ولم يرد أي من الشرطين في إعلان الاعتراف. احترمت خطوة إسرائيل شعب صوماليلاند وحكومته المنتخبة، على أن تأتي المكاسب الاستراتيجية لاحقاً من علاقة تقوم على المبادئ والاحترام المتبادل.
على أمريكا أن تعترف بصوماليلاند، وأن تُري القوى الإقليمية كيف تكسب شريكاً دون أن تستحوذ على مستعمرة.