96. السعودية تكتشف صوماليلاند بعد 35 عاماً

🌐 اقرأ بالإنجليزية
96. السعودية تكتشف صوماليلاند بعد 35 عاماً

في 27 ديسمبر، امتلأت حسابات صومالية وسعودية على منصة إكس بتكهنات توحي بأن مقاتلات F-15 السعودية تستعد لقصف صوماليلاند، على غرار تدخل الرياض ضد المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.

وبعد كل ذلك الضجيج، هبطت الرواية من مقاتلات F-15 إلى بضعة أمراء حرب هزيلين. فما الذي تغير؟ الجواب بسيط. تستطيع إسرائيل استخدام المجال الجوي لصوماليلاند عند الحاجة، فيما تظل القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا القوة العسكرية الأبرز في القرن الأفريقي. لا توجد مساحة واسعة لمغامرة سعودية جديدة.

ليست قيمة الخبر ما يفسر تضخيمه، بل أمنية يائسة لدى بعض الخطابات السعودية والصومالية بأن تضعف صوماليلاند أو تنزلق إلى الفوضى التي دمرت معظم المنطقة.

غير أن شهوة الفوضى هذه تصطدم الآن بجدار ردع أميركي إسرائيلي. فقد غيّر اعتراف إسرائيل بصوماليلاند الحسابات، وضيقت واشنطن مجال التهور الإقليمي. والمفارقة ليست فيما جرى داخل صوماليلاند، بل فيمن قرر فجأة التعامل معه كحدث تاريخي.

عشرة رجال أيقظوا الرياض

لم تهز القصة صوماليلاند، ولا حتى بونتلاند. لكنها أشعلت منصة إكس في السعودية.

بعد 35 عاماً، اكتشفت الحسابات السعودية صوماليلاند وبونتلاند وميليشيا عشيرة دولبهنتي. لكن متابعي القرن الأفريقي يعرفون أن انتقال المقاتلين والقادة بين صوماليلاند والإدارات المتحالفة مع الصومال والتشكيلات العشائرية ظاهرة مألوفة، لا زلزالاً جيوسياسياً.

في 19 أغسطس، غادر العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف باسم أشكاتو، قوات صوماليلاند قرب يوبّي وانضم إلى ميليشيا عشيرة دولبهنتي. وتحدثت تقارير محلية عن مركبة واحدة ونحو عشرة جنود، وهو رقم لم تؤكده جهة مستقلة.

الولاءات تتحرك في الاتجاهين

شهد الاتجاه المعاكس انشقاقات مماثلة. فقد استقال قائد من ميليشيا عشيرة دولبهنتي في أبريل 2025 وسط خلافات معلنة. ثم استقالت فهيمة يوسف قوجي في يوليو 2026 وعادت إلى صوماليلاند. وكانت من أبرز المشاركين في حملة 2023 ضد صوماليلاند، كما حذا حذوها خمسة سياسيين متحالفين مع الميليشيا.

لم تعلن هرجيسا انهيار الميليشيا بأكملها. فحركة الأفراد بين التشكيلات المتنافسة تكشف تقلب الولاءات المحلية، ولا تثبت انهيار صوماليلاند. ويرى مراقبو القرن الأفريقي في التطور الأخير حدثاً محدود الأثر يستند إلى رواية طرف واحد، بينما عامله متابعون سعوديون كأنه زلزال جيوسياسي. وهنا تكمن القصة.

أبوظبي تربك الرياض

للسعودية مصالح قديمة في القرن الأفريقي، لكن خطابها السياسي لم يظهر طوال 35 عاماً اهتماماً مستمراً بانتخابات صوماليلاند ومؤسساتها وأمنها. ومع ذلك، لم تكن صوماليلاند مجهولة في الرياض.

ففي أغسطس 2018، استقبل الملك سلمان نائب رئيس صوماليلاند عبد الرحمن عبد الله إسماعيل، المعروف بسايلعي، في الاستقبال السنوي لموسم الحج، إلى جانب رؤساء دول ونواب رؤساء وكبار المسؤولين من أنحاء العالم. لم تكن الرياض تجهل صوماليلاند، بل اختارت تجاهلها طويلاً.

أما الهوس الحالي بكل تحرك صغير، إلى حد النبش المفاجئ في شجرة عائلة دولبهنتي، فيتصل بموقع صوماليلاند في الاستراتيجية الإماراتية. لقد حولت أبوظبي بربرة إلى رصيد تجاري وأمني، بينما يرى جزء من الخطاب السعودي في كل نجاح إماراتي خسارة سعودية.

هذه هي العقدة التي عمقت الخلاف بين الرياض وأبوظبي خلال حرب إيران. لماذا فتحت السعودية جبهة سياسية مع الإمارات بينما كانت طهران تهاجمها؟ الجواب نفسه يفسر انشغالها المفاجئ بتفاصيل ميليشيا عشيرة دولبهنتي. صوماليلاند ساحة أخرى تكشف غيرة الرياض من كل مكسب تحققه أبوظبي.

المفارقة الساخرة بين الخطاب السعودي العلني وقلق الرياض الخاص من نفوذ الإمارات في صوماليلاند

الاعتراف يغلق باب المغامرة

أدانت صوماليلاند الهجمات الإيرانية على الإمارات قبل اجتماع مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي وقبل اجتماع الجامعة العربية. وهذا الموقف أثقل وزناً من موجات الاعتراض المتأخرة، لأنه يكشف من يصون المصالح العربية عندما تصبح للكلمة كلفة.

لم يكن الاعتراف الإسرائيلي تفصيلاً رمزياً. فقد نقل صوماليلاند من موقع يمكن تجاهله إلى شريك يدخل في حسابات الأمن الإقليمي. ومع وجود الردع الدولي المحيط بصوماليلاند، يصعب على أي طرف تحويل انشقاق محلي محدود إلى مغامرة عسكرية.

واشنطن تعرف الفرق بين انهيار دولة وبين انفعال على منصة إكس. ما يحدث في الرياض اعتراف متأخر بما صنعته أبوظبي في بربرة، بعد ثلاثة عقود ونصف من التجاهل. أما الاعتراف فقرار سيادي تتخذه كل دولة بنفسها، لا تصويت جماعي تديره الرياض.

العدسة تفضح سوء التقدير

حين تحتاج الرياض إلى عدسة مكبرة كي تحول مركبة واحدة وعشرة جنود إلى انتصار استراتيجي، تصبح العدسة هي الخبر. صوماليلاند لم تتقلص، بل صورة الرياض عنها هي التي فقدت مقياسها.

وهنا يأتي السبب رقم 99. على واشنطن أن تقول للرياض إن السودان واليمن أولى باهتمامها، فصوماليلاند ليست ميداناً لتصفية حساباتها مع أبوظبي.

عدد الكلمات: 662

ابحث عن المقال في X

...
تصفيق