88. ماذا يعني الاعتراف بصوماليلاند لشعبها؟

🌐 اقرأ بالإنجليزية
88. ماذا يعني الاعتراف بصوماليلاند لشعبها؟

يُناقش الاعتراف عادة من زاوية مصالح الدول. يسأل الدبلوماسيون عمن سيحصل على منفذ، وأي تحالف سيتغير، وكيف ستتأثر موازين المنطقة. لهذه الأسئلة أهميتها، لكنها لا تشرح ما يعنيه الاعتراف للناس الذين حملوا صوماليلاند على أكتافهم منذ عام 1991.

في 26 ديسمبر 2025، غيّرت إسرائيل وضع صوماليلاند عندما أصبحت أول دولة تعترف بالجمهورية المستعادة. ومنذ ذلك الحين، عيّنت صوماليلاند أول سفير لها لدى إسرائيل، وافتتحت سفارتها في القدس، وقام رئيسها بأول زيارة دولة إلى الخارج. غير أن أوضح دليل على المعنى الإنساني للاعتراف كان الفرح الشعبي الذي أعقب القرار.

بالنسبة إلى أهل صوماليلاند، سيكون اتساع الاعتراف تحرراً وطنياً. فهو يحرر إنجازاً جماعياً من الحصار الدبلوماسي الذي ما زال يفرض عليه اسماً لا يمثله ويمنعه من بلوغ كامل إمكاناته. وهذا الإنجاز ملك للجميع، من بائعة الطماطم التي أعالت أسرتها وأسهمت في الاقتصاد المحلي، إلى المجتمعات التي تصالحت بعد الحرب، والمواطنين الذين احترموا نتائج الانتخابات، والمؤسسات التي حافظت على النظام العام خلال عقود العزلة.

تكريم إنجاز وطني

بنت صوماليلاند نفسها لعقود قبل أن تحصل على اعتراف دولي، ومن دون حجم المساعدات التي تلقتها دول فشلت رغم الدعم الواسع. ولم يكن نظامها السياسي المحلي المنشأ عرضاً أعد لنيل رضا الخارج، بل ضرورة احتاجها الناس لصنع السلام والسلطة والمستقبل المشترك.

لذلك فالاعتراف ليس طلب إنقاذ، بل احترام لعمل اكتمل وتضحيات بُذلت. العالم لن ينشئ صوماليلاند، وإنما سيكرم الشعب الذي أنشأ مؤسساتها الحديثة وحافظ عليها.

وهنا يتضح أيضاً أن الاعتراف ليس ممارسة جديدة لحق تقرير المصير. فقد مارست صوماليلاند ذلك الحق عندما استقلت في 26 يونيو 1960، وأبرمت باسمها معاهدات سُجلت لدى الأمم المتحدة. ثم دخلت صوماليلاند في اتحاد بحكم الأمر الواقع مع دولة الصومال، التي كانت خاضعة سابقا للإدارة الإيطالية، لكن محاولة الاتحاد بين الدولتين ذواتي السيادة لم تكتمل قانونياً. ويعرض السجل القانوني الرسمي لصوماليلاند تسلسل الوثائق التي تثبت ذلك. أما القضية اليوم فتقوم على استعادة السيادة واستمرارية الدولة، لا على طلب إذن للانفصال.

فالاعتراف يقر بدولة قائمة، ولا يمنح شعباً حقاً مارسه قبل ستة وستين عاماً.

إنصاف الذاكرة الوطنية

يحمل الاعتراف معنى عميقاً لأسر ضحايا المجازر ضد الإسحاقيين. ولا تعتمد الحجة القانونية لصوماليلاند على تلك الجرائم، بل تبدأ من سيادة عام 1960 ومن محاولة الاتحاد غير المكتملة قانونياً.

أما المعنى الإنساني فمختلف. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش الحرب التي شنتها الحكومة الصومالية على المدنيين الإسحاقيين، بما شمل القتل والقصف والتعذيب وتسميم الآبار وتدمير سبل العيش. ووصفت مناطقهم بأنها الجزء الذي تعرض لأشد بطش من النظام. يمثل الاعتراف جزءاً من العدالة المعنوية والقانونية المستحقة للأسر التي نجت من ذلك العنف، ثم شاركت في بناء دولة مستقرة من بين أنقاضه.

لا يستطيع أي قرار دبلوماسي إعادة الموتى. لكنه يستطيع رفض الظلم الذي ينكر الاسم المستقل للدولة التي بناها الناجون.

فتح أبواب المستقبل

يمكن للمكاسب العملية أن تصل مباشرة إلى حياة الناس. فالاتفاقيات المباشرة قادرة على جذب مزيد من الاستثمار، وخلق الوظائف، وتقوية المؤسسات، وتحسين الوصول إلى التمويل الدولي، وتسهيل السفر. كما تستطيع الشراكات الرسمية تعميق التعاون الأمني حول خليج عدن ومداخل البحر الأحمر.

لن يحقق الاعتراف هذه النتائج تلقائياً، لكنه يزيل عوائق تمنع صوماليلاند من السعي إليها على قدم المساواة. وقد حدد البنك الدولي ضعف الوصول إلى التمويل والانخفاض الشديد في الاستثمار ضمن أبرز القيود على القطاع الخاص في صوماليلاند. وسيسهل الاعتراف معالجة هذه العوائق المالية الموثقة باتفاقيات مباشرة بدلاً من الحلول الإدارية الملتوية.

هذه ليست امتيازات نظرية. فالشركة التي تتعاقد باسم دولتها، والطالب الذي يسافر بجواز مقبول على نطاق واسع، والحكومة التي تفاوض على التمويل مباشرة، جميعهم يختبرون السيادة في صورتها المادية. لقد فرضت عقود الإقصاء كلفة اقتصادية قابلة للقياس. واتساع الاعتراف سيبدأ بتحرير قيمة صنعها شعب صوماليلاند بالفعل.

استعادة الهوية المستقلة

المشكلة الأعمق ليست فقط أن صوماليلاند تحظى باعتراف جزئي، بل أن العالم ما زال يصر على تصنيفها جزءاً من الصومال، ويربط أهلها بصورة دولية صنعتها الحرب والإرهاب والقرصنة وفشل الدولة.

هذه الصورة لا تمثل تاريخ صوماليلاند ولا مؤسساتها ولا سجلها العام. ومع ذلك، تلاحق مواطنيها في قرارات الاستثمار والمحافل السياسية والجوازات والأنظمة المصرفية والخدمات اللوجستية اليومية. وهكذا تُجبر دولة حافظت على أمنها وبنت نظامها السياسي على حمل تبعات دولة لا تحكمها.

محدودية الاعتراف تغلق الأبواب. أما فرض هوية الغير فيضع صوماليلاند خلف باب لا يخصها.

بالنسبة إلى شعب صوماليلاند، يعني الاعتراف أن يحمل إنجازه اسمه الحقيقي، وأن يُذكر ضحاياه في إطار الدولة التي نهضت بعدهم، وألا يبقى مستقبله محاصراً بفشل أجنبي.

على حلفاء صوماليلاند في المملكة المتحدة والولايات المتحدة والإمارات وإثيوبيا أن يدركوا ما هو على المحك، وأن يمنحوها اعترافاً ثنائياً رسمياً. قد يأتي الاعتراف عبر صفقات تقوم على تبادل المصالح، لكن معناه الأعمق لا يقبل المقايضة. فهو يمس الإنجاز الوطني والعدالة والهوية والذاكرة.

وقد أظهرت إسرائيل النتيجة بالفعل. فأول سفير لصوماليلاند لديها أبلغ الرئيس إسحاق هرتسوغ أن العلاقة ليست بين حكومتين فحسب، بل بين شعبين، ونقل تقدير الصوماليلانديين للدولة التي اعترفت بصوماليلاند أولاً. ومن يعترف بصوماليلاند انطلاقاً من المبادئ، سيكسب ولاء وامتناناً لا تستطيع أي صفقة شراءهما.

الاعتراف لن يمنح صوماليلاند وطنها، بل سيعيد هذا الوطن إلى العالم.

عدد الكلمات: 783

ابحث عن المقال في X

...
تصفيق